الأكاديمية المهتمة بالتراث فايزة مهتاري.. تصنيف الشدة لدى اليونسكو منح هذا الزي التقليدي مكانته العالمية المستحقة

– القفطان التلمساني ليس مجرد لباس، بل تعبير حي عن هوية المدينة وتراثها المادي والرمزي
– الشدة تطورت عبر الأجيال لتجمع بين الأناقة التقليدية والمرونة في الاستخدام اليومي
– الحفاظ على التراث واجب جماعي، لأنه يعكس هوية المجتمع التلمساني ويجسد أصالة حضارته
– مشاريع التوثيق والرقمنة تهدف إلى جعل هذا التراث الجزائري متاحًا ومرئيًا على المستوى العالمي

 

تُعد الشدة التلمسانية، أو الإفطان، أحد أبرز رموز الهوية الثقافية والاجتماعية في الجزائر، وجسرًا يربط بين التاريخ العريق والحياة المعاصرة في مدينة تلمسان. هذا الزي التقليدي، المزيَّن بالألوان الزاهية والإكسسوارات الذهبية واللؤلؤية، لم يكن مجرد لباس، بل انعكاسًا للثقافة والقيم والموروثات المجتمعية التي تنتقل عبر الأجيال.

في هذا العدد، نقدم حوارًا مع الدكتورة فايزة مهتاري، الحاصلة على دكتوراه في الفنون وماستر في اللغة الإنجليزية، وأستاذة في قسم الترجمة بجامعة تلمسان، ومتقنة للغات العربية والفرنسية والإنجليزية.
تجمع الدكتورة مهتاري بين الخبرة الأكاديمية من خلال منشورات وطنية ودولية، والكفاءة الإعلامية كمراسلة ومقدمة برامج على القناة الدولية الجزائرية، لتقدم لنا رؤية متكاملة حول تطور الشدة التلمسانية، رموزها، وأهميتها الثقافية والاجتماعية في المجتمع المحلي.

يأخذنا الحوار عبر أجيال هذا التراث، ويكشف عن رموزه وألوانه الخاصة، وعلاقته بالموسيقى والشعر والطقوس الاجتماعية، ليؤكد أن الشدة ليست مجرد لباس، بل مرآة حية للهوية الجزائرية وموروث يربط الماضي بالحاضر، ويستمر في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

حاورتها رادية مراكشي

اللقاء : كيف تصفين الشدة التمسانية من منظورك كخبيرة في عادات تلمسان، وما الذي يجعلها فريدة مقارنة بالتقاليد الشعبية في باقي مناطق الجزائر؟

فايزة مهتاري : إذا سُئلنا عن تصنيف الشدة التلمسانية من منظورنا كدارسين ومهتمين بالتراث، فلا شك أن الشدة تُعد ميزة فريدة ومميزة لمدينة تلمسان، فهي تشمل القفطان، أو الافطان، بالإضافة إلى الإكسسوارات الملازمة لها، مثل الحلي من الذهب واللؤلؤ، وأيضًا عناصر مهمة مثل الشاشية، ما يمنح الشدة التلمسانية طابعًا خاصًا ومميزًا مرتبطًا بالمنطقة.

القفطان التلمساني له خصوصيات تميزه عن القفاطين الأخرى في الجزائر، أبرزها الإكسسوارات، ونوعية الفتلة التي يُطرز بها، وحجمه، ففي البداية، كان القفطان طويلًا جدًا، لكنه تطور لاحقًا ليصبح فوق الركبة، ما جعله أكثر مرونة لتتمكن المرأة من ارتدائه في مناسبات مختلفة وسياقات متعددة، مع الحفاظ على الأناقة والرقي التقليدي.

الشدة التلمسانية إذًا ليست مجرد لباس، بل تعبير حي عن هوية المدينة وتراثها المادي والرمزي، يجمع بين التاريخ، الجمال، والوظيفة العملية، مما يجعلها من أهم رموز الثقافة التقليدية في الجزائر.

 

– كيف تطورت الشدة عبر الأجيال، وهل لاحظتِ تغييرات مع العولمة والتأثيرات الحديثة على المجتمع المحلي؟

الشدة، تطورت عبر أجيال عديدة، ولها تاريخ طويل يمتد إلى العهد العباسي، فقد كان الخلفاء العباسيون، مثل هارون الرشيد وابنيه الأمين والمأمون، يرتدون القفاطين الطويلة المصنوعة من القطيفة المطرزة بخيوط الذهب، تأثرًا بالحضارة الفارسية التي أسست على أنقاضها الدولة العباسية. كانت خيوط الذهب وأنواع القطيفة المستعملة تأتي من فارس، فأحبها المسلمون وبدأوا في حياكتها وارتدائها كرمز للرفعة والذوق الرفيع.

مع سقوط الدولة العباسية، استمر القفطان في الانتشار ووصل إلى دولة بني الأحمر، حيث ارتداها الملوك الرجال، وفي الوقت نفسه عشقت المرأة هذا الزي التقليدي وأرادت أن تكون أنيقة ومتألقة، بدأ إدخال الألوان المختلفة إلى القفطان، فإلى جانب الأسود والأخضر، ظهرت ألوان جديدة مثل الأحمر، الأرجواني، الأزرق، ما أضفى مظهرًا متجددًا ومتنوعًا على هذا اللباس.

لاحقًا، بعد سقوط الأندلس وهجرة الموريسكيين إلى المغرب الأوسط، وصل القفطان إلى تلمسان، التي كانت آنذاك عاصمة المغرب الأوسط، هنا، اكتسب القفطان صبغته الجزائرية الحقيقية، حيث دمج بين التأثيرات المختلفة والتقاليد المحلية، وأصبح شكله وأنواعه يعكس الواقع الجزائري المعاش والتقاليد المجتمعية.

 

– هل هناك رموز خاصة أو ألوان محددة تستخدم في الشدة تحمل معانٍ مخفية، لا يفهمها إلا من تربى في تلمسان؟

 

من أبرز الرموز المرتبطة بالقفطان في تلمسان، والتي يفهمها جيدًا سكان المدينة، اللون الأحمر، هذا اللون ملازم للقفطان منذ القدم، ويُرمز به إلى الحياء والحشمة في تلمسان، ترتدي العروس القفطان أو الإفطان يوم عرسها، وتُزين وجنتاها بـ”العكر”، أي دائرة حمراء أو خمس نقاط بيضاء، وهو رمز خاص وفريد من نوعه لا يوجد في أي مكان آخر في العالم.

وليس القفطان مخصصًا للعروس فقط؛ فالفتاة الصغيرة ترتديه في صيامها الأول كرمزية لكونها “عروس صغيرة” تُهيأ لمستقبلها، ما يعكس تقليدًا اجتماعيًا وثقافيًا متجذرًا، أما العروس يوم عرسها، فتستقبلها نساء متزوجات مرتديات القفطان في موكب احتفالي ملكي يعكس الرقي والجمال، ويبرز المكانة الاجتماعية والثقافية لهذا الزي التقليدي.

رغم بعض التغيرات التي تفرضها موجات الموضة الحديثة على القفطان، نحن، سكان تلمسان الأصليون، نقف للدفاع عن طابعه الأصلي ونؤكد دائمًا أن التقليد يبقى تقليدًا، والأصل يظل أصلًا. الحفاظ على هذا التراث واجب جماعي، لأنه يعكس هوية المجتمع التلمساني ويجسد أصالة حضارته.

 

– هل للشدة صلة بالموسيقى أو الرقص أو الأغاني الشعبية التي تحمل رسائل مشفرة عن تاريخ المدينة؟

 

هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالموسيقى الأندلسية التقليدية، وخاصة الحوفي، ففي الأيام التي تسبق العرس، تجتمع العروس مع نساء العائلة في جلسات نسوية تقليدية، حيث يُؤدى الحوفي، وهو نوع من الشعر المجدول الموزون، يُغنى دون استخدام أي آلات موسيقية. في تلمسان نقول عنه “يحوف”، أي أن فيه نوتات موسيقية ضمنية لكنها بلا موسيقى حقيقية.

في هذه المقاطع الموسيقية الشعرية، يتجلى الحنين إلى الوطن، ووصف جمال المرأة، وتعبير عن الحب والعاطفة، بالإضافة إلى الصلاة على النبي ﷺ. هذه الجلسات ليست مجرد طقوس غنائية، بل هي سياق ثقافي متكامل يعكس حياتنا اليومية، ويجسد الروابط الاجتماعية والموروثات المحلية، ما يجعل القفطان أكثر من مجرد لباس؛ إنه رمز مرتبط بالهوية الجزائرية والطقوس الأصيلة للمجتمع التلمساني.

 

 

 

– كيف يسهم مشروع رقمنة القفطان التلمساني في الحفاظ على الإرث الثقافي وإبرازه عالميًا؟

بعد تصنيف القفطان كلباس تقليدي، أصبح الاهتمام به أكثر، والمجهودات للحفاظ عليه ودراسته أوسع. أنا بصدد إعداد مشروع وزاري يركز على رقمنة وترجمة مصطلحات الزي التقليدي والمجوهرات في تلمسان، وهو عمل أكاديمي يهدف إلى إنشاء قاعدة متكاملة لدراسة عناصر القفطان، من الملابس إلى الحلي، بعدة لغات: العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، وحتى التركية.

الهدف من هذا المشروع هو إعداد مصادر موثوقة ومتاحة للأجيال القادمة، كما يسعى لتعزيز الجانب السياحي من خلال تطبيقه في المطارات، دور الثقافة والمسارح، بما يدعم الهوية الجزائرية ويبرز الشخصية التراثية الوطنية.

إن هذا الجهد ليس مجرد دراسة، بل هو خطوة استراتيجية للحفاظ على إرثنا الثقافي وإبرازه عالميًا بطريقة علمية ومنهجية.

 

– كيف يساهم مرور 13 سنة من تصنيف الشدة التلمسانية في تعزيز وعي الشباب بالحفاظ على التراث الجزائري؟

 

اليوم، الشعب الجزائري، وبالأخص الحرفيون والمهتمون بالتراث المادي وغير المادي، أصبحوا واعين تمامًا بقيمة إرثهم الثقافي. فهم يدركون أن التراث اليوم يتعرض لضغط هائل ومحاولات تقليله أو تغييره، لذا فإن الاهتمام والتشبث به أصبح أمرًا حيويًا.

عندما تم تصنيف الشدة، كان ذلك قرارًا صائبًا وعادلًا، إذ منح هذا الزي التقليدي وحليّه الموروث الثقافي المكانة العالمية التي يستحقها. ما يثلج الصدر هو أن الشباب اليوم يبذل قصارى جهده للحفاظ على هذا التراث وارتدائه بفخر؛ فلا توجد عروس في تلمسان لا تقوم بارتداء الشدة في يوم عرسها، ما يعكس استمرار تقليد راسخ ومتأصل لا يزول إلا بزوال الزمان والمكان.

هذا التمسك بالتصنيف والتراث ليس مجرد عاطفة، بل هو امتداد لتطور الفكر الإنساني وارتقاءه، إذ يدفعنا إلى التوثيق والكتابة لخَلْد هذا الإرث لأبنائنا وأحفادنا. فالإرث الثقافي الجزائري ليس مجرد زي أو حلي، بل هو مرآة غنية للثراء الحضاري والتنوع الثقافي الذي تزخر به الجزائر.

 

 

– هل هناك مشاريع ودراسات ميدانية تهدف إلى نقل الشدة الجزائرية إلى العالم والحفاظ عليها للأجيال القادمة؟

 

أنا بصدد إطلاق مشروعي الذي يهدف إلى الترويج للزي التقليدي الجزائري، هذا التراث الغني الذي يمثل جزءًا أصيلاً من هويتنا وثقافتنا. أطمح لأن يصل هذا التراث إلى العالم كله، لذلك أعمل على كتابته بعدة لغات، بدءًا بالإنجليزية كلغة رائدة، ثم الفرنسية، الإسبانية، التركية، وغيرها، حتى يصبح إرث الجزائر حاضراً على الصعيد العالمي.

إن هذا المشروع ليس مجرد عرض للملابس التقليدية، بل هو أمانة تاريخية أضعها بين أيدي الشباب اليوم وأطفال الغد. فالحفاظ على التراث مسؤولية جماعية، لأنه مهما حاول البعض إنكار أو تحريف الحقائق، فإن التاريخ لا يقبل الشك، وجذور هذا التراث ستظل عميقة في أعماق الجزائر.

إن التمسك الاجتماعي بهذا التراث والاعتزاز به هو ما سيضمن إعادة إحيائه ونقله إلى أجيال المستقبل. تراثنا، ثقافتنا، وحضارتنا كلها أمانة مشتركة، وعلينا جميعًا الاستماتة في الحفاظ عليها ونشرها فخورين بها أمام العالم.

فيما يخص الدراسات الميدانية، هناك رسائل ماجستير تناولت موضوع تصنيف الشدة وفق تصنيفات اليونسكو، ما منح هذا الزي التقليدي بعدًا تاريخيًا وأكاديميًا.

 

– كيف جذبت الشدة التلمسانية اهتمام المستشرقين وزادت السياحة الثقافية في تلمسان؟

 

لا يمكن إغفال آراء المستشرقين الذين كتبوا عن اللباس التقليدي والقفطان في مراجعهم، إذ يظهر اهتمامهم الكبير بالشدة التلمسانية، خاصة بعد تصنيفها. ويتجلى هذا الاهتمام من خلال زياراتهم لقصر المشور والتفسيري، الذي يضم قاعة عرض تحتوي على معظم الملابس التقليدية الجزائرية. نتيجة لذلك، أصبحت وفود الزوار متزايدة ومن جنسيات مختلفة، ما يعكس المكانة الثقافية والسياحية للزي التلمساني.

 

 

– في رأيك، هل هناك عناصر من الشدة لم تُسجل بعد رسميًا ضمن التراث غير المادي، وتحتاج إلى التوثيق للحفاظ عليها؟

 

فيما يخص بعض الحلي والإكسسوارات التي لم يتم تصنيفها رسميًا، فإنني أعمل شخصيًا بالتعاون مع جمعيات محلية في تلمسان على التعريف بها والترويج لها، مثل الكرافاش والزروف والخلخال، إذ تشكل هذه الإكسسوارات جزءًا أساسيًا من التركيبة الكاملة للشدة وتكمل قيمتها التاريخية والثقافية.

 

– بعد 13 سنة من تصنيف اليونسكو، كيف حافظت الشدة التلمسانية على أصالتها وألهمت الشباب؟

 

ساهم تصنيف اليونسكو في تعزيز مكانة الشدة التلمسانية على المستوى الدولي، لتصبح تلمسان اليوم قبلة للمهتمين بهذا التراث الأصيل. ومن أبرز تأثيرات هذا التصنيف، الاهتمام المستمر بالشدة وحفاظ الشباب وسكان المدينة على إدراجها ضمن مشاريع الرقمنة، بما يحمي أصالتها وجذورها التاريخية ويمنع أي تشويه أو استغلال غير دقيق لتراثها. ويظهر هذا التفاعل أيضًا من خلال حرص طلبة الإعلام على التعرف على الشدة والترويج لها، مستفيدين من الخبرات الأكاديمية والإعلامية لإثراء محتواهم التعليمي والعملي، كما يشارك التلاميذ في المدارس، خاصة خلال احتفالات المولد النبوي الشريف، بارتداء الشدة كاملة والتقاط الصور التذكارية، مما يعكس التمسك الحي والمتواصل بهذا التراث عبر الأجيال الجديدة.

 

– إذا أردتِ إيصال رسالة للعالم بمناسبة الذكرى الـ13 لتصنيف الشدة اللمسانية، كيف ستبرزين أهميتها الثقافية والتاريخية مع الحفاظ على خصوصيتها وسحرها التقليدي؟

 

من الرسائل التي أحرص شخصيًا على إيصالها بمناسبة تصنيف الشدة إلى العالم هي التأكيد على أهميتها التاريخية والثقافية بكل خصوصيتها وجماليتها. كما أسعى إلى تقديمها بلغات متعددة مثل الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، وحتى التركية، إذ يساهم استخدام هذه اللغات في إبراز موروثنا الأصيل وتعريف العالم به بشكل أوسع وأكثر تأثيرًا.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر الايميل الخاص بك