سي أحمد بن البكاي.. سيرة المقاوم الذي لم يستسلم

في هذه الورقة البحثية، محاولة منا لتتبع سيرة رجل خلق ليكون فارسا مقاوما، وتوفي رحمه الله مقاوما، وقد أوردنا فيها معلومات جديدة حول سيرته وجهاده لم تتضمنها الكتابات السابقة عنه، ونحن واثقون من أن ما توصلنا إليه حول سيرة هذا البطل هو بعض من كل، وغيض من فيض، ولا زالت رحلة البحث ومراجعة المعلومات حوله مستمرّة حتى تكتمل الصورة حوله، وحتى يأخذ مكانته التي يستحقها ضمن سجل المقاومين الخالدين.
المولد والبدايات:
ولد المقاوم سي احمد بن البكاي حوالي سنة 1810م بجبل امساعد، جنوب مدينة بوسعادة، ولاية المسيلة.
والده البكاي، كان شيخ عرش أولاد اعمر الفرج إحدى قبائل أولاد نايل، وأمه الشايعة بنت رابح الزيانية.
وعرش أولاد اعمر الفرج، هو أحد الفروع الأربعة لقبيلة أولاد فرج، إحدى أكبر قبائل أولاد نايل عددا وانتشارا.
نشأ وتربى وسط عائلة كبيرة العدد، نشأ أفرادها على القيم والأخلاق العالية، وعلى الشجاعة وحب الفروسية، فكان الابن أحمد فارس القبيلة الأول، وملاذ المحتاج وقبلة لحل الخصومات، يحظى بتقدير من والده ومن كبار العرش.
كانت أراضي العرش تمتد عبر جبال امساعد والتي هي امتداد لجبال أولاد نايل وآخر حلقة فيها، كما كان موقعهم المتقدم شمال عين الريش وعين الملح، يجعل منهم حائط الصد الأول لآية هجمات تستهدف أولاد نايل.
في سفح تلك الجبال، اتخذ الإمام محمد علي السنوسي الذي حلّ بالمنطقة سنة 1824م خلوة ومقاما، فرحب به سكان الجهة ( أولاد فرج، المراكسة)، وقد اجتمع حوله بعض مشايخ وطلبة العلم، من بينهم سي احمد بن شبيرة، وسي عامر(من الحمالات) الذي انتقل لاحقا للعيش وسط عرش أولاد اعمر الفرج معلما للقرآن، وناشرا للطريقة الدرقاوية التي كانت سائدة آنذاك قبل أن يؤسس الإمام محمد علي السنوسي طريقته التي سميت باسمه، والتي اتسمت بمقاومتها ورفضها الراديكالي للمحتل في البلاد الإسلامية. لقد كانت المدة اليسيرة التي قضاها سي محمد بن علي السنوسي بينهم كفيلة بأن تؤتي ثمارها وتبلور الفكر الجهادي لسي أحمد بن البكاي وسي أحمد بن شبيرة زعيم انتفاضة بوسعادة وغيرهم من المقاومين.
لقاء المقاومين:
في عام 1835م، وبعد الخلاف الذي وقع بين الشيخ أبو موسى الدرقاوي والأمير عبد القادر، انسحب الدرقاوي بجيشه إلى أولاد نايل، وبالضبط إلى جبل امساعد حيث استقبله سي احمد بن البكاي الذي أصبح بعد وفاة والده شيخ قبيلته، ووفق ما أورده الدكتور أبو القاسم سعد الله فقد تجنّد بعض رجال العرش في جيشه لمحاربة الفرنسيين.
كان سي أحمد بن البكاي أحد الشخصيات التي احتفت بحلول الأمير عبد القادر بمنطقة بوسعادة عام 1837م ضمن جولته في ربوع أولاد نايل، حيث التقى بممثلي أعراش منطقة بوسعادة في المكان المسمى ” العقلة البيضاء” بغرض توسيع نفوذ دولته وإرساء دعائم جديدة لها.
كما كان سي احمد بن البكاي فيما بعد سندا للمقاوم الثائر أبو موسى الدرقاوي الذي نزل ضيفا عند أولاد اعمر الفرج رفقة مائة من الفرسان وهو في طريقه إلى الزعاطشة عام 1849م.
معركة المطاريح (1849م):
في تلك السنة، تعرض بعض أولاد الفرج القاطنين في الشمال(جنوب المدية) إلى تضييق ومطاردة من الاحتلال الفرنسي بعد رفضهم دفع الضرائب المرتفعة التي فرضت عليهم، فلجأوا إلى أبناء عمومتهم في جبل امساعد، فاستقبلهم سي احمد بن البكاي وقومه بالترحاب وأجاروهم.
قرر الجنرال الفرنسي (لادميرولت) ملاحقة المتمرّدين، فقاد حملة على أولاد نايل كانت إحدى محطاتها معركة ( المطاريح) التي جرت أحداثها في 12 جوان 1849م.
جرت هذه المعركة بين الجيش الفرنسي المدعوم بأعوانه من القوم وبين عرش أولاد اعمر الفرج وبعض جيرانهم من المراقصة وأولاد خالد المتضامنين معهم في المكان المسمّى( المطاريح) في عمق جبل امساعد، غير بعيد عن قرية العليق.
قاد المعركة سي احمد بن البكاي (هكذا ورد اسمه في الوثائق الفرنسية)، ورغم عدم تكافؤ القوى، خاض المقاومون المعركة ببسالة، وتمكنوا من قتل النقيب (غابوريون) مهندس الخرائط والضابط في المكتب العربي بالمدية، والذي يبدو أن مقتله قد أوجع العدو المحتل، فتمّ تخليد ذكراه بحفر اسمه على صخرة في مكان المعركة، وإطلاق اسمه على أحد أهم شوارع بوسعادة، كما خسر العدو في ذات المعركة أربعة من جنود القوم، وبعض الأحصنة، أما من جهة الثوار، فقد استشهد لهم 27 شهيدا في هذه المعركة.
ولعل أهمية وشراسة هذه المعركة، هي التي دفعت قادة الاحتلال للكتابة عنها، وتخصيص أكثر من مقال للحديث عن مجرياتها.
مقاومة مدينة بوسعادة:
بعد معركة المطاريح بأربعة أشهر، اندلعت مقاومة مدينة بوسعادة بزعامة الشيخ محمد بن شبيرة ووالده الشيخ احمد مقدم الزاوية السنوسية بالعليق، والتي كانت امتدادا لانتفاضة الزعاطشة بهدف فكّ الحصار عنها.
وقد لقي الشيخ محمد بن شبيرة كل الدعم من الأعراش المحيطة ببوسعادة الذين انخرطوا في المقاومة، رافضين محاولة جيش الاحتلال دخول المدينة، وكان في مقدمة الثوار وفق المصادر الفرنسية عرشي أولاد اعمر الفرج وأولاد عامر، إلى جانب أفراد من الأعراش الأخرى ومن أهل المدينة.
بعد فشل المقاومة، التجأ أولاد اعمر فرج مرّة أخرى إلى عرينهم الحصين جبل امساعد وفي كنفهم الشيخ محمد بن شبيرة، غير أنّ الجنرال دوماس في شهر نوفمبر لاحقهم وأمعن فيهم بالقتل والسلب، وقد كتب معترفا: بعد أن قضينا على التمرّد في بوسعادة، لم يبق لنا إلا عرش أولاد اعمر الفرج، العرش العنيد والمتمرّد، وقد تعرّض على يدينا إلى إبادة.
بعد اندلاع مقاومة الشريف محمد بن عبد الله، التحق بها سي احمد بن البكاي، وشارك سنة 1852م إلى جانب أولاد الساسي في معركة (ميزوزو) بعين فارس ضد قوات العقيد بان.
إنتفاضة ابراهيم بن عبد الله(1864م):
وفي شهر أكتوبر من عام 1864م، وأثناء مقاومة أولاد سيدي الشيخ، اندلعت انتفاضة الحضنة بقيادة إبراهيم بن عبد الله الماضوي، وقد فاق عدد المشاركين فيها 2000 جندي من كل القبائل، تجمّعوا في المكان المسمّى( ثنية الريح) بجبل امساعد.
انطلقت شرارة الانتفاضة يوم 30 سبتمبر حين هاجم أولاد اعمر الفرج وبعض الأعراش المجاورة لهم بقيادة سي احمد بن البكاي قوات القوم، وتمكنوا من قتل بعض منهم، كما قتلوا ثمانية من قوات الاحتلال(باعتراف الفرنسيين) بعد أن هبّت لنجدة أعوانها.
وقد خلد أحد الشعراء الشعبيين هذه الموقعة الأولى بقصيدة قوية ومؤثرة لا زالت الألسنة تتناقلها من جيل إلى جيل، تذكر بعض شهداء المعركة، كما تذكر مقتل أحد قادة القوم (بلقيدوم) الذي منحته فرنسا وسام الشرف سنة 1865م تكريما له على خدماته وإخلاصه، وحسب الرواية الشعبية، فقد كان مقتله على يد سي احمد بن البكاي.
لم تتوقف المقاومة عند هذه الموقعة الأولى، فقد استمرت المواجهات يومي 02 و03 أكتوبر 1864م بين الثوار من أولاد فرج، أولاد عامر وأولاد ماضي وغيرهم المتمركزين بثنية الريح، وبين قوات الاحتلال بقيادة العقيد (لا كروا) المتمركزة في درمل قرب الهامل..وانتهت بهزيمة المقاومين بعد أربعة أيام من الصمود، ولا زالت جثامين شهداء هذه الانتفاضة مدفونة في المكان المسمّى (المقتلة).
مقاومة المقراني(1871م):
بقي سي احمد بن البكاي مقاوما للاحتلال، وبعد اندلاع انتفاضة المقراني سنة 1871م، دفع بابنه محمد (محاد) للالتحاق بها، حيث أبلى فيها بلاء حسنا، وبعد القضاء على الانتفاضة تمّ نفيه مع المقرانيين إلى تونس التي بقي فيها ست سنوات كاملة.
في 26 ماي 1872م، وعقابا له، أصدر الاحتلال قرارا بإحصاء ومصادرة كل الأملاك المنقولة والثابتة لكل من سي احمد بن البكاي وابنه محمد وعائلاتهم، وتجريدهم من كل الحقوق، في مسعى لإذلالهم وقهرهم، مما أثر على الحالة المادية للعائلة لولا بعض التضامن الذي لقيته من الأهالي.
ومن بين قرارات المصادرة للأملاك المتعددة ( حسب الروايات الشفوية)، نجد قرارا نشر في النشرية الرسمية للحكومة الفرنسية بمصادرة بستان بمساحة قريبة من الهكتار بمدينة بوسعادة ، يحتوي على (10 نخلات، 11 شجرة تين،05 شجرات مشمش)، وقد طالت هذه المصادرات كل المقاومين من عرشي اولاد اعمر الفرج واولاد عامر وغيرهم، كما كانت طالت قبل ذلك كل من شارك في مقاومة بوسعادة من كبار أهلها.
دخول السجن والفرار منه(1877م):
بعد عودة الابن محمد سنة 1877م من منفاه في تونس، ألقي القبض على والده سي احمد بن البكاي بعد وشاية تعرّض لها، وتم الزج به رفقة أحد أبنائه في سجن المدية.
بعد فترة قضياها في السجن، أطلق سراح الابن، وبقي والده سجينا حتى تمكن من الهرب في ظروف نجهلها، حيث توجه إلى ناحية سور الغزلان، ومنها إلى عين الحجل عند السلامات (فرع أولاد جدي) الذين رحبوا به وأخفوه عندهم رغم علمهم بأنه مطلوب من قبل سلطات الاحتلال لفراره وقتله ثلاثة من الحرس.
قضى بقية حياته بينهم، وبعد أن عرف مضيفوه من يكون الرجل، تنافس شيخا فرقتين منهم على إكرامه والإحسان إليه، فزوجاه ابنتيهما، وقد أنجب من كلا الزوجتين.
توفي سي احمد بن البكاي سنة 1911م، ودفن في مقبرة سيدي هجرس بولاية المسيلة، لينهي رحيله مسيرة رجل خلق ثائرا، لم يُسلم و لم يستسلم على مدى ستين عاما من الرفض والمقاومة.
ونحن واثقون من أن ما توصلنا إليه في بحثنا حول سيرة هذا البطل هو من غيض من فيض، ولا زلت رحلة البحث ومراجعة المعلومات حوله مستمرّة.

المصادر والمراجع:
ـ المجلة الافريقية، وبعض الوثائق والتقارير من الأرشيف الفرنسي.
ـ الدكتور أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الرابع.
ـ كتاب (مقاومة سي احمد بن البكاي) للباحث مصطفى طيبي.
– شهادات مسجلة لمرويات من الشيوخ بكل من جبل امساعد وعين الحجل.

عبد الكريم قذيفة
أحمـــــد رفــــيس

أترك تعليقا

لن يتم نشر الايميل الخاص بك