“حبائل الشيطان” تروي وتؤكد :الإنسان مجرد ممثل في الكوميديا الإلهية

صدر مؤخرا عن دار النشر اللبنانية نيل وفرات رواية (حبائل الشيطان) التي أبدع الدكتور وسام إدريس عبر فصولها الخمسة عشر في تصوير مغامرات ويوميات حياة رياض المفعمة بقصص الحب والخيانة، والتي تكشف أن حياتنا العاطفية مهما كانت حدة ثوران مشاعرها نبقى نعايش أحداثها اليومية التي ينقلها إلينا الروائي بكل حيثياتها وأبعادها السياسية والفكرية والاجتماعية.

سياسة التفاهة وإعلام الميوعة

الرواية، هي محاولة جريئة لتقديم صورة صادقة عن واقع ينبغي تصحيحه في عالم يعج بالتفاهة وغارق في الميوعة، حيث يتضح من خلال المواضيع المطروحة بإلحاح أن الروائي هدف إلى منح روايته طابعا سياسيا وإصباغها بألوان ثقافية واجتماعية لمخاطبة عقول القراء من زوايا عدة ومختلفة، غير أن الجانب السياسي طغى عليها بشكل جد واضح وأحيانا كثيرة بقالب فكاهي وشكل تهكّمي على أساس أن المواطن في مختلف دول العالم أمسى يعاني من تردي أوضاعه السياسية وضعف مردود برامج أحزابه التي فشلت في انتشاله من أوضاعه الاقتصادية المترهلة ويومياته المتهالكة.
تتناول الرواية اهتمامات الحياة اليومية للأبطال، متجاوزة حدود الوطن إلى العالم، حيث أشارت إلى الأنظمة الديمقراطية الزائفة مثل الولايات المتحدة وفرنسا، لتعطي أمثلة من الواقع للبرهنة على أن المواطن على مرّ التاريخ مازالت الأنظمة تستعبده وتستغله باسم كلمة جميلة وعذبة ورنانة اسمها الديمقراطية ( المواطن مازال يرزح تحت نير عبودية الديمقراطية ولم يتغير أي شيء، مثلما كان الانسان عبدا مقهورا في ديمقراطية اليونان، لا يزال مقهورا تحت ديمقراطية الإعلان العالمي لحقوق الانسان التي أقرتها الأمم المتحدة وصادقت عليه كل الدول الأعضاء التي تبنت هذا الإعلان في دساتيرها.. لم يتغير أي شيء ).
مثلما انتقدت الرواية الأنظمة السياسية الفاسدة، كان للأحزاب السياسية أيضا نصيبها من النقد على اعتبار أنها جزء من النظام الفاسد، وهدفها الأكبر هو السعي إلى خدمة مصالحها على حساب مصالح الشعب، وأعطت أمثلة على أكبر الدول التي تدعي الديمقراطية كيف أصبحت أحزابها متهمة بالتزوير حتى في اختيار رئيسها، ودعّمت أفكارها بالولايات المتحدة الأمريكيّة الّتي كانت فيما مضى رمزًا للدّيمقراطيّة في العالم، وتحوّلت مع الوقت إلى مهزلة بعدما شوّهت الدّيمقراطيّة، فدونالد ترامب اتُّهم بأنّه وصل إلى البيت الأبيض بتزوير حزبه للانتخابات وبمساعدة بوتين، وجو بايدن أيضًا اتُّهِم بتزوير الانتخابات، ووصل مسلسل فضائح ديمقراطيّة الأمريكان إلى شنّ هجوم همجيّ لمناضلي حزب ترامب على مبنى الكونغرس.
أخذ الإعلام نصيبه كذلك في الرواية، حيث صوّر المؤلف كيف أصبحت وسائل الإعلام مدجّنة وغير نافعة وضارة سواء للشعوب أو للأنظمة. كما تطرّق إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي فرضت نفسها على واقعنا، وساهمت بشكل قوي في انحدار المستوى التعليمي وزرع الفكر الملوث، وتحويل الحريات إلى مهزلة، وفضح بأن الأنظمة أحكمت سيطرتها على مواطنيها من خلال وسائل الاعلام والاتصال التي تحوّلت من وسائل لنشر الديمقراطية إلى وسائل لكبت الوعي وتضليل الشعوب.

ثقافة في مهب ريح الإباحية

شكلت المواضيع الاجتماعية بأبعادها العالمية مجالا خصبا للرواية، حيث طرحت (حبائل الشيطان) مجموعة من القضايا المهمة في حياة القارئ للنقاش من خلال الحوارات الشيقة لأبطالها، عبر إثارة أسئلة كثيرة ومختلفة تخص العلاقات الانسانية فيما بين الأفراد، مثلما عمل على تفكيك نفسية الانسان في علاقته بمحيطه بإبراز أهم العناصر السلبية المدمرة مثل الغيرة والكراهية والحقد والعنف والتمييز لدفع القارئ لتبني أفكارا حسنة تساعده على إصلاح نفسه وتعينه على تغيير محيطه، فكانت الحوارات الممتعة عبارة عن سعي متواصل وحثيث من الرواية لطرق أبواب عقل القارئ وملامسة وعيه بطريقة موضوعية لينقله إلى عالم متحرر من كل القيود حتى يكسر كل الأغلال التي تكبل تفكيره.
دأبت الرواية على تناول فلسفة الحياة وثقافتها لتطوير حياة الفرد ودفعه للاستفادة من كل هو صالح ومفيد، وركزت على الأخلاق على أساس أنها تنعكس على سلوك الفرد وأفكاره، وقدمت الواقع على حقيقته دون تزيين أو ترصيع أو تزييف أو غش، وعملت على تناوله بتفاصيله الدقيقة بكل صراحة ووضوح ودون مواربة، بالخصوص عند طرح قضية الجنس والإباحية ( نحن كلّما تحدّثنا عن تاريخ الاباحية نتذكر فقط سَدُوم وعمورة وبومبي، ونخجل حتى من تدريس دولة القرامطة كجزء من تاريخنا العربي الاسلامي، لأنها كانت دولة إباحية حرّمت على الرجل استئثاره بزوجة لوحده، وجعلت الناس شركاء في النساء ).

سعت الرواية رغم طابعها الرومانسي الذي أبرز لنا عمّا يمكن أن يفعله جنون الحب ورغبات الجسد، واستعراض مدى تأثير النظام السياسي المستبد، وانعكاساته على الاقتصاد والإعلام والمجتمع والثقافة إلى اللجوء إلى أسلوب سردي جميل والاكثار من الحوار بشكل مشوّق وممتع إلى درجة أن القارئ يشعر بتلذذ عذب وهو يطالع النكت والأمثال التي استخدمها الروائي لإضفاء جو من الفكاهة والمرح والمزاح على الرواية، مثلما لجأ إلى الأغاني واستثمر في التراث الغنائي العربي الجميل والأصيل الذي أضفى على الرواية جمالية وقيمة فنية، تجعل القارئ يتصفحها على أنغام وردة الجزائرية والشاب خالد واليسا وسعد لمجرد والموسيقار الإيطاليّ جيوسيب تارتيني، فلا غرو أن تظهر الرواية وكأنها تحفة فنية رائعة تجمع كل أشكال الفنون.

قلب للحب عاشق وفي الجنس غارق

رياض، الشخصية المحورية في الرواية، شاب يجمع كلّ المحاسن والإيجابيات التي تجعل منه دون جوان يعاني من قلب مفتوح لكل حب جديد، ممّا يجعله يعيش مغامرات عاطفية متواصلة، ويدخل مع نفسه في صراع دائم بين الفوز بالحب الجديد والتخلص من الحب القديم، مما يجعله يعيش دوامة من الصراعات العاطفية، يختلط فيها الحب بالخيانة، والوفاء بالغدر، والإعجاب بالجنس.
بكلمات عذبة، وعبارات ساحرة وبأسلوب يجذب الخيال بقوة ومعبّق بمشاعر رقيقة رهيفة ورغبات جنونية عنيفة، وصف وسام إدريس كيف يسلب الحب قلب رياض، وبعدما يناله، يتوق إلى الخلاص منه عندما يصادفه حب أقوى وأشد عنفا، فكل حب هو نبع عميق تتدفق منه أرق المشاعر الفياضة، وجسد شهواني تثور منه أشدّ الرغبات، وعندما يبحث إن كان الجنس مكمّل للحُبّ وأنّ الحبّ مجرّد قناع للجنس، يأتيه الرد مباشرا وصريحا ( لا أخفي عنك أني أشعر أحيانا أني أحبك لجسدك أكثر، لا يعني هذا أني لا أحبك، لكن أريد أن أبوح لك، أنّه يستحيل عليّ الاستغناء عن جسدك، هو هكذا، شعور يخرج عن سيطرتي، صرت خاضعة لجسدك)، وعندما يهم للتصدي لنزواته، ومقاومة رغباته، ومصارعة أهواءه، يجد نفسه وسط أحبولة جديدة ( استسلم رياض لطغيان جسد شيطاني فرض عليه سطوته، وأخضعه لسيطرته، وبسط عليه سيادته، وأحكم عليه قبضته، وألزمه قوانينه، بعدما حاصره بأسلحة نيرانية تقذف جرعات فائقة الإثارة، أجبرته على الاذعان والامتثال لتنفيذ أعذب لوائح (الكَامَاسُوتْرَا) ورسم أبهى لوحاتها، بعدما جرفتهما أمواج الهوى العاتية، وأغرقتهما في بحر عميق من المتعة لتوصلهما إلى منتهى الرغبة، ليعيشا أقصى ما في اللّذّة، ولم يفق من شروده حينما تغشّاها واخترق جسدها من مصراعيه، إلاّ عندما خرّت صريعة من شدّة الوطء، بعدما صاحت ببراءة بصرخة مرتعشة منفلتة من لحد مكبوتاتها).

الرواية بكل جماليات السرد التي احتوتها وشخصيات أبطالها المثيرة والمعقدة، وبكل ما حملته من نقد اجتماعي وسياسي وثقافي عميق، اختصر الدكتور وسام ادريس أفكارها في غلاف (حبائل الشيطان) الذي زيّنه بصورة تمثال (قبلة) للفنان الفرنسي رودان، والمستوحى من مسرحية (الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالي دانتي، أب اللغة الإيطالية.

بقلم : الأستاذة نصيرة بلحاج (كلية اللغة العربية وآدابها واللغات الشرقية)

أترك تعليقا

لن يتم نشر الايميل الخاص بك