الكاتب والصحفي عبد القادر حريشان في حوار لـ ” اللقاء”:
الحياد ليس بالهين في ملحمة تاريخية مثل الحراك الشعبي
حاوره: السعيد تريعة
تسلح بالقلم ليكتب عن الوطن ، مدونا احداثا عايشها وينقل وقائع عاصرها لينتج سبع مؤلفات من روايات و تحقيقات، اجاد كتابتها بلغة الضاد ، كما بلغة موليير ، ولكن بلمسة جزائرية ،انه الكاتب والصحفي عبد القادر حريشان ،الذي صدر له مؤخرا كتاب جديد باللغة الفرنسية تحت عنوان “يوميات الحراك – الوثبة الجزائرية”، عن دار السايحي، كما صدرت له عن نفس الدار وبنفس اللغة رواية “النصب التذكاري” وسبق له ان اصدر كتاب “رجال صنعوا مأساة الجزائر”، بالفرنسية و العربية في نهاية 2019، وكتاب “الإنقاذ و السلطة” باللغتين في 1999.
تحدث عبد القادر حريشان في هذا الحوار الذي خص به جريدة ” اللقاء” عن حسه كمبدع ومتابعته لتطور الاحداث وانطلاقة الحراك الشعبي وتتابع جمعاته والتي عايشها كحراكي وكاتب ليوثقها في كتاباته، مشيرا الى توقعاته بعودة الحراك إذا لم تكن استجابة للمطالب الأساسية للحراك خاصة فيما يخص التغيير و التوجه نحو نظام مؤسساتي ديمقراطي واضح.
وعرج خلال الحوار على مراحل كانت مفصلية في تاريخ الجزائر مثل احداث اكتوبر 1988 ، مبرزا خصائص الكتابة عن المواضيع السياسية ، وصعوبة الحياد عند الكاتبة عن “ملحمة تاريخية مثل الحراك الشعبي. ” الذي وثقه حريشان حتى، الجمعة 57، التي أوقفت الحراك بحكم القدر أو بالوباء ” كوفيد 19″الذي وضع العالم في حالة شلل.
كما تحدث عن رواية “بوفاريك في زمن الكورونا” التي يرتقب ان تصدر قريبا بالعربية، و مشاريع أخرى.
– اللقاء :- ونحن نعيش أجواء الذكرى الثانية لانطلاق الحراك الشعبي (22 فيفري ) كنت من الكتاب الذين وثقوا هذا الحدث من خلال كتابك باللغة الفرنسية الصادر عن دار السايحي تحت عنوان “يوميات الحراك – الوثبة الجزائرية”

-كيف راودتك فكرة الكتابة عن الحراك ؟
– حريشان عبد القادر: في الواقع كنت أترقب شيئا ما سيحدث، خاصة منذ رفع “الكادر” في القاعة البيضاوية ثم إسقاطه و دنسه في خراطة و أشياء مثل باخرة الكوكايين و ما شبهها من أفعال شوهت سمعة الدولة الجزائرية التي هي في الواقع ملك الجميع . فمسكت قلمي و شرعت في تسجيل الأحداث و قد صرت متيقنا بأن شيئا تاريخيا سيحدث قريبا. و شرعت في تسجيل كل كبيرة و صغيرة و جاء الحراك بعفوية و سلمية و مطالب مشروعة جعلت الجميع يمشي في اتجاه واحد من أجل غاية واحدة.
-تناولت في كتابك تفاصيل الحراك الشعبي منذ 22 فبراير 2019حتى الجمعة 57،
اي الجمعات كانت اكثر تميز ككاتب ومتتبع، وهل تتوقع جمعات اخرى بعد فترة من التوقف ؟.
ج: أول جمعة أبهرتني هي الجمعة الثالثة، يوم 9 مارس، عندما نفروا خفافا و ثقالا، نساء و رجالا، أطفالا و شيوخا، في حفل ذكرني بأيام خروج المستعمر من بلادي و فرحة الاستقلال. كنت وقتها في سن الصبى و شاهدت تلك الصور التي رافقتني في حياني و زرعت فيّ الأمل بأن الغد سيكون مشرقا. أما الجمعة التي أثرت في سلبا فهي الجمعة 33 حينما قام الأمن بتوقيفنا مباشرة عند خروجنا من مرفأ السيارات بجانب الميناء و اقتادونا، أنا و رفقائي، إلى وجهة مجهولة دون أي سبب، استنطقونا دون مبررات و تركونا في الطبيعة كالكباش الضالة. بقيت في حلقي تلك القصة و دفعتني بالتشبث بفكرتي عن الحراك و متابعة الأحداث بعناية أكبر.
بالنسبة للشق الثاني من السؤال نعم أتوقع عودة الحراك إذا لم تكن استجابة للمطالب الأساسية للحراك خاصة فيما يخص التغيير و التوجه نحو نظام مؤسساتي دمقراطي واضح، من جانب آخر لاحظنا في الآونة الأخيرة عودة أساليب القمع مثلما حدث بعد أحداث أكتوبر و كأن في الأمر محاولة تأديب أبناء الحراك الذين كانوا يتجاوزون في بعض الأحيان الخطوط الحمراء.
– المطلع على تفاصيل الكتاب يلاحظ وكأن العمل ينقل الحوار الغير مباشر بين الحراك و الشخصيات المختلفة المحسوبة عليه مع السلطة من خلال تصريحات النشطاء، الشعارات، الخطابات و الأجواء التي رافقته بطابعه السلمي والتصريحات الأسبوعية التي كان يدلي بها اللواء الراحل قايد صالح ، هل كان من السهل نقل هذه الاجواء بكل موضوعية ودون الانحياز الى أي طرف ؟
ج: من الصعب جدا الالتزام بالحياد في مثل هذه الأحداث، كونك تصبح طرفا و لو قاومت. بالتأكيد كنت أري أشياء لم تكن ترضيني و أتابع الأفعال و الردود لهذا و ذاك، ما جعل القصة مثيرة للغاية و كأنك تقرأ رواية. بطبيعة الحال، كنت حراكيا منذ البداية، لا شك في ذلك، لكنني عملت بحياد حتى لا أفرض وجهة نظري على القارئ، فمن خلال القراءة المتأنية ستكون له استنتاجات الخاصة و لو أن الحياد ليس بالهين في ملحمة تاريخية مثل الحراك.
– -هل ترى وجود علاقة بين احداث 05اكتوبر1988 وحراك 22فيفري 2019 ؟
ج: نعم، هناك تشابه كبير و فوارق كبيرة. أحداث أكتوبر دامت أقل من أسبوع و حققت نتائج كبيرة: تعددية حزبية و إعلامية و التخلي عن الاشتراكية من خلال قانون القرض و النقد. أما الحراك فدام سنة و شهرا لكنه لم يحقق أي شيء، المؤسسات بقيت على حالها. إذا استثنينا، طبعا، الصراعات و تصفية الحسابات داخل الأجهزة. كما أشير إلى أن التجنيد الإعلامي (العمومي) كان قويا في 5 أكتوبر 88 و كان الإعلام الخاص غائبا في أحداث 22 فبراير.
– يغلب على كتابات الطابع السياسي هل هو توجه او ان الواقع والاحداث هي من فرضت عليك ذلك ؟
ج: كل شيء سياسي في بلادنا، فمن الطبيعي أن تبقي السياسة هي المادة الخام التي نعتمد عليها في الكتابة. إضافة إلى ذلك التغييرات الجوهرية، العنيفة حينا و السلمية حينا آخرا، جعلت الفرد يعيش الأحداث روحا و مشاعرا و جسدا و بقلمه إن استطاع.
– لكل كاتب أسلوبه وطريقته ما مدى تأثير عملك كصحفي على كتبك واعمالك الروائية
– تخصصك الدراسي علمي وتقني ما سر ميولك الادبية؟
ج: كما قلت كان تكويني علميا. لكن منذ الطفولة كنت مدمنا على قراءة الروايات بالعربية و بالفرنسية و كنت أطمح في أن أصبح كاتبا. لكن بعد المتوسط عندما اقترب موعد اختيار الشعب المناسبة قال لي أستاذ الرياضيات، من أصول فرنسية، أن “بلادك في حاجة إلى مهندسين و تقنيين” فاخترت الثانوية التقنية التي كانت جد متطورة في تلك الفترة و الدليل على ذلك أنني عندما وصلت إلى روسيا وجدت الفارق الكبير بين ما تناولنا في الثانوية التقنية بوهران و ما تقدمه لنا الكلية الروسية ببوشكين. أنا أروي ذلك بالتفصيل في كتاب: “عندما كانت موسكو تضع النخب العسكرية العربية في الأحضان”، صدر بالفرنسية منذ ثلاث سنوات. إذن بالرغم من تفوقي في الرياضيات و ميولي إلى الأدب اخترت التوجه العلمي حتى أساهم في بناء بلدي، لقد كنا من الجيل المخضرم الذي كان يحلم ببلد رائد في المنطقة… ثم تلاشي الحلم.
هل من مشاريع جديدة ؟
ج: صدرت لي، منذ أيام، رواية “النصب التذكاري” بالفرنسية، عن نفس الدار في 540 ص. و لي رواية “بوفاريك في زمن الكورونا” بالعربية، ستصدر قريبا و مشاريع أخرى.
-قلب فيروس “كورونا” الموازين داخليا وخارجيا، كيف تقيم التغيرات الحاصلة على المستويين الوطني والدولي في ظل تفشي الوباء. ؟
ج: أجبت تقريبا على السؤال و أضيف أن الحراك كان ظاهرة عالمية لها ميزاتها، ربما ستدرس في الكليات مستقبلا، لا أدري، لكنه، وفق تقديرات غيرنا فهي ظاهرة جديدة تتطلب التوقف و الدراسة.
كلمة اخيرة ؟
ج: أشكركم جزيلا على اهتمامكم.