الفڨارة … نظام السقي الصحراوي العجيب

تتميز ولاية أدرار جنوب الجزائر دون سواها من بقية مناطق الجزائر خصوصا بنظام الفڨارة ، الذي هو عبارة عن سلسلة من الآبار المائية المتصلة بعضها ببعض في طريقة تصاعدية عجيبة وطريقة توزيعية للمياه أعجب ، وهو نظام قديم جدا تعددت الروايات في أصله ومصدره واتفقت على شيوعه وانتشاره في أكثر من عشرين منطقة من ربوع العالم .

غير أن ما يميز المنطقة التواتية في نظامها المائي هذا هو توارثه عبر الأجيال منذ عدة قرون وإلى الآن مع المحافظة على كثير من مقوماته وأسس بنائه ، بالإضافة إلى أنه ساهم وبشكل كبير في توازنات السكان وانتشاره داخل الإقليم ومن ثم الاستقرار واستمرار العيش إلى الآن وسط ظروف طبيعية جد قاسية، كما كان لهذا النظام أيضا الأثر البارز في غرس روح العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع تبعا لقدرة كل فرد ، ومدى حضوره و نجاعته في أعمال الحفر والصيانة السنوية التي يعرفها النظام ، إضافة إلى ما يصحب كل ذالك من قيم ومثل تضامنية عليا هذا دون أن ننسى أثر كل ذالك على كافة التحولات الاجتماعية والمجالية التي عرفها ويعرفها الإقليم.

وما يهمنا في الموضوع تركيزا هو مرحلة ما بعد مجيء الفڨارة وابتداع نظام السقي فيها وأثر كل ذالك على مختلف التحولات الاجتماعية والمجالية لسكان الإقليم. ذالك أنه وبمجيء الفڨارة للمجتمع التواتي تفاعل معها إيجابا على شتى الأصعدة وكانت في ذالك حياته الاجتماعية مرآة صادقة لهذا التغيرات والتي نحاول أن نوجزها في المعطيات الآتية :

الفڨارة عامل استقرار لسكان المنطقة :
حيث نجد أنه وبالنظر إلى الظروف الطبيعية القاسية التي تعرفها الصحراء عامة لم يكن باستطاعة ومقدور الإنسان العيش لولا وجود الماء بوفرة مغرية ذالك أن بعض الدراسات تشير هنا إلى أن المنطقة كانت عائمة بالمياه والبحيرات مما مكن الإنسان الأول من الانتشار حول هذه الأحواض لكن هذه الدراسات نفسها تشير إلى أن هذه الحقبة لم تدم طويلا وبدأت هذه البحيرات في النفاذ ومعها بقي الإنسان يتابع رحلة المياه في هذه المنطقة حيث يقيم على ضفاف تلك البحيرات المتنقلة في مرحلة شديدة وصفت بمرحلة الجفاف الكبرى، وبعد مرحلة البحث عن المياه السطحية على ضفاف الأنهار والبحيرات وما أعقبها من غور للمياه وصعوبة في الحصول عليه جاءت مرحلة البحث عن المياه في أعماق التراب .وبغض النظر هنا عن أصل فكرة ما سيعرف لاحقا بالفڨارة فإن هذا الإنسان قد اهتدى إلى فكرة الفڨارة تقليدا لبعض المناطق المشابهة عن طريق التجار والقوافل الذاهبة والآيبة إلى المنطقة أوحاجة وضرورة فرضتها ظروف الحياة الصعبة والحاجة أم الاختراع كما يقال.

وما يهمنا هنا أيضا هو أنه وبفعل ظهور نظام الفڨارة عاد الإنسان من جديد ليجدد حضوره واستقراره في المنطقة شيئا فشيئا بعد مرحلة الهجرة واللاستقرار السابقة، والجدير بالذكر هنا أن الإنسان الصحراوي يكون قد فكر في امتلاك حصته من الماء قبل امتلاكه للأرض بل إن الإنسان وبمجرد انضمامه إلى مجموعة سكانية ما يشرع في شراء وامتلاك حصته من مياه الفڨارات قصد ممارسة نشاطه الزراعي الضروري للحياة وهذا رغم أن حصته الخاصة بالشرب والعادات المنزلية هي مضمونة مجانا بحسب أعراف المجتمع . وبهذا كله أصبح ماء الفڨارة عنصر ضمان على الإقامة والاستقرار حتى ولوكان مؤقتا ونلاحظ مثال هذا خصوصا مع العلماء الوافدين إلى المنطقة نذكر من ذالك تمثيلا الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي في القرن 10هـ الذي نزل بأرض بوعلي واشترى فيها مياها كرمز لبقائه بخلاف بقية المناطق المحلية الأخرى التي جال فيها . ونلاحظ المثال ذاته مع الشيخ الرقاني في القرن 12هـ الذي نزل بأرض بوعلي أولا بجوار الشيخ المغيلي وكانت له كمية كبيرة من مياه الفڨارة كدليل على اختياره لهذه الأرض كموطن إقامة رغم أنه هجرها لأسباب معلومة ،والأمثلة تطول في هذا المجال .

والمتتبع هنا لحركية القصور وتداخلها داخل الخط المعروف بالمنطقة سيلاحظ أثر الفڨارة على استقرار أو هجرة السكان من القصور .وعلى النقيض من هذا أيضا فإن بموت الكثير من الفقاقير وعدم تجديدها لأسباب قد يطول الحديث عنها فقد حدثت الرحلة العكسية من القصور باتجاه التجمعات السكانية الكبرى وهو ما خلق جوا من الضغط والفوضى وسط ترتيبات عمرانية عشوائية وفوق قدرة كل برامج التخطيط المحلية أوالوطنية وهذا ما تعكسه نسب السكان من منطقة إلى أخرى .

نظام الفڨارة ومبدأ التعاون الجماعي :
ويظهر هذا جليا منذ خروج الإنسان الأول للمشاركة في عملية الحفر التي وإن اقتصرت على فئة محددة من الناس إلا أننا نلمس اتحادا وتعاونا واضحا داخل هذه المجموعة ويتجلى ذالك في تقسيم أفراد المجموعة إلى مجموعات صغيرة (تكون غالبا من أربعة أشخاص فما فوق) اثنان منها في أسفل البئر واثنان في أعلاه ويكون بينهم التنسيق على أن خروج الجماعة ودخولها من وإلى العمل يكون دوما جماعيا وفي أوقات محددة . هذا في عملية البدء أما في عملية الصيانة وإبعاد الفڨارة عن الأخطار المحدقة بها من رمال وسقوط للجدران وغير ذالك فإن الإعلان بداية يكون علنيا وعاما وفوق سطوح المساجد ليصل النداء للجميع وأثناء الصيانة المعروفة محليا بالتويزة نلحظ روحا تضامنية قوية بين الأفراد وسط أصوات الدف والمزمار بهدف التنشيط .مع ملاحظة أن هذه العملية إن تمت يشارك فيها الجميع غالبا حتى من غير المالكين للفڨارة لأنه ” لا فرق هنا بين من يملك نصيبا في الفڨارة ومن لايملك ، ولا فرق بين الصغير والكبير ، والمرأة والرجل إذ أن العمل التطوعي (التويزة) إلزامي على كل القاطنين حينما يتعــلق الأمر بخــطر يهدد الفڨارة ” والجدير هنا أيضا أن عملية المشاركة والتعاون الجماعي يشارك فيها الجميع بدأ بعملية جمع العتاد مرورا بتحضير الطعام والشراب أو المشاركة في رقصة التويزة ووصولا إلى النشاط الرئيسي في العملية وهو العمل على إنقاذ الفڨارة .

نظام الفڨارة ومبدأ العدالة والمساواة بين الأفراد :
ويتجلى هذا أولا في عملية امتلاك وتوزيع المياه على الأفراد حيث يتم ذالك تبعا لجهد وعرق كل إنسان ومقدرته على العمل مع أفراد المجموعة وثانيا وفق معايير حسابية دقيقة تمكنه من استغلال أقل القليل من ثروته المائية بدأ من أعلى بئر ووصولا إلى بستانه ، بل إن الإنسان المالك في الفڨارة يحقق فائدته في أي عمل يلحق العملية حتى دون عمل وهذا ضمن نصيبه في ما يعرف بحق الطريق في عملية (العطية) وهي تسليم عمل الفڨارة للمجموعة من الناس وفق شروط أساسية عامة غالبا (جزء للعاملين وجزء للفڨارة ). وفي كل الأحوال يظل الفرد داخل مجموعة أفراد الفڨارة محافظا على كل حقوقه تبعا لواجباته أولا وقبل كل شيء .

الفڨارة ونظام التنشئة الاجتماعية :
لقد احتلت الفڨارة مكانة مرموقة داخل المجتمع التواتي ووصلت أحيانا إلى حد القداسة .وبهدف المحافظة على هذه المكانة عمد المجتمع إلى تنشئة النشء على حب واحترام الفڨارة منذ نعومة الأظافر حيث حرموا عليه العبث بنظام توزيع مياهها ورمي الأوساخ فيها واستعانوا في ذالك بالزواجر الدينية أحيانا وبالعادات والتقاليد أحيانا أخرى فالتصرف زيادة ونقصا في مجرى الماء يجر إلى غضب الله ومنه إلى النار كما أن الخروج إلى الساقية وسط خلوها من الناس ( وهو وقت لعب وعبث الأطفال عادة ) يؤدي إلى كثير من الآفات والأمراض أقلها الصرع و المس من الجن .

نظام الفڨارة والفضاء الخصوصي داخل المجتمع
لقد أدى اهتمام المجتمع بالفڨارة إلى نشوء عالم خاص بها يحكمه مجموعة من الأفراد وكم هائل من الرموز والمصطلحات والوسائل الخاصة بالفڨارة دون سواها فإذا جئنا إلى عملية الحفر والصيانة وجدنا الفڨارة تأخذ من المجتمع أفرادا مخصوصين ومميزين كل باسمه وعمله وهم على التوالي :

الوقّاف : وهو المكلف المباشر عن العمل وجاءت تسميته من وقوفه المستمر على العمال .
القطّاع : الذي يحفر ويقطع الصلب من الحجارة أثناء عملية الحفر .
الجبّاد : الذي يتولى عملية جذب التراب من العامل الأول .
الزمّام :الذي يقوم بكتابة وتدوين زمام الفڨارة .
وهي كلها أسماء على صيغ المبالغة دلالة على طبيعة العمل المتلاحق في هذا النظام .

الفڨارة في مجتمعنا الحالي : إن المتتبع لحال الفڨارة عبر تاريخها الطويل ووصولا إلى وقتنا الحالي يلاحظ تراجعا شديدا في الإهتمام بالفڨارة ولعل أكبر شاهد على ذالك هو نسبت موت الفقاقير سنويا والتي وصلت في احصاءتها الأخيرة إلى أزيد من 500 فڨارة وهو ما دفع بالسلطات المحلية والوطنية إلى أخذ كافة التدابير للحد من هذا النزيف و قد كان هذا وفق برامج إنمائية هامة خاصة بها دون بقية الأنشطة الفلاحية و رصدت لها الدولة الجزائرية في ذالك ما يقارب 54 مليار سنتيم ابتداء من سنة 2002 وحتى سنة 2005 في برنامجين أساسيين : برنامج الدعم الفلاحي والبرنامج القطاعي . وقد مس هذه البرامج كل تراب الولاية تقريبا في ما يفوق 476 فڨارة .

ولم يقف اهتمام الحكومة الجزائرية بهذا الموروث عند هذا الحد بل زاد إلى وضع نصوص قانونية خاصة بهذه المعالم التراثية قصد صيانتها وحفظها نذكر من ذلك تمثيلا القرار رقم 426 الصادر بتاريخ 23/06/1996م والذي ينص في كل بنوده على ضرورة حفظ وحماية الفڨارة الحية منها والميتة وجاء القرار في 13 مادة من أهمها:
– في حالة إنشاء فڨارة جديدة يكون عمق الفڨارة المنجزة يوازي عمق أقرب فڨارة .
– لا يتم أي تنقيب على الماء إلا بعد مشورة ومصادقة المصالح التقنية المختصة وممثلي الفڨارة.
– لا يجوز إقامة أي بناية سكنية بدون مراعاة المعطيات التقنية وفي كل الحالات لا تقل مسافتها عن 10 أمتار من محور الفڨارة .
– لا تمنح رخصة البناء لكل بناية ذات استعمال صناعي أو تجاري يقل عن الفڨارة على ما يلي 🙁 عشرون متر ا للبنايات التي من شأنها انبعاث الضجيج ومائة متر للبناءات التي من شأنها إنتاج مواد سامة أو خطيرة تخضع لما جاء به قانون المياه .

– لا يرخص إقامة أي بناء عند المنبع الرئيسي أو الفرعي للفڨارة على مسافة تقل عن 35متر من كل الجوانب .
– تمنع إقامة المساحات الخضراء على ظهر الفڨارة وحريمها .
– يمنع رمي القاذورات بجانب أو داخل فوهات الفقاقير .
– يلزم القرار تجميع وبناء فوهات الفقاقير على شكل دائري داخل النسيج العمراني .

الدكتور أحمد جعفري

أترك تعليقا

لن يتم نشر الايميل الخاص بك