التخييم في الجزائر…متعة الحياة البرية

ثقافة تبناها الشباب الجزائري في الأعوام الأخيرة

عرفت هواية التخييم أو كما يطلق عليها “الهملة ” انتشارا واسعا في الأعوام الأخيرة ، فبعدما كادت أن تندثر في سنوات العشرية السوداء، عاودت فئة من الشباب إحيائها مجددا حاملين شعار ” حوس بلادك” ، ففي كل فرصة يحزم محبي المغامرة أمتعتهم و يشدون الرحال نحو وجهات مختلفة لاستكشافها وعيش لحظات تبقى راسخة في الأذهان ، غير مبالين بالصعوبات و العقبات التي قد تواجههم .

يجوب هؤلاء الشباب ربوع الوطن، باحثين عن الخلوة و الاستجمام في مناطق سياحية منسية أو تكون معروفة لدى السكان المحليين فقط، حيث يقطعون عشرات الكيلومترات في طرق وعرة و أحيانا مستحيلة العبور في سبيل استكشاف طبيعة بلادهم، و عيش مغامرات أشبه بتلك التي نراها في وثائق ناشيونال جيوغرافيك، فالجزائر بتنوعها التضاريسي و ساحلها ذو الـ1500 كم ، بمثابة جنة كل من يعشق الترحال و الاستكشاف.

كانت لـ “اللقاء” مقابلة مع بعض هواة الترحال أو ” الهمَّالة ” للخوض أكثر في تفاصيل هذه االمغامرات، حيث وجدنا معظمهم شباب دون الـثلاثين و قد عاشوا رحلات فريدة من نوعها في مناطق تجعلك تتعرف على خريطة جزائر من جديد.

نقص وغلاء العتاد ليس مشكلة…

يقوم محبي الترحال بخرجات في كل فصول السنة ، فلم يتركوا واديا و لا غابة و لا شاطئا نائيا إلَّا و عاشوا تجربة التخييم هناك ، و لكن لخوض هذه المغامرات يتوجب عليهم توفير العتاد الضروري ، لذا يٌحضّر الشباب حقائبهم جيدًا و يحرصون على اقتناء كل المعدات اللازمة ، بداية بخيمة قابلة للطي تكون مضادة للرياح ، و غطاء أرض عازل بالإضافة إلى كيس النوم و حقيبة تخييم تحمل الأدوات ذات الحجم الصغير مع بعض الأواني لإعداد الوجبات ، كما أنَّ هناك بعض الكماليات كالحصيرة الهوائية و كرسي التخييم…

و بالنسبة للفرد فيجب عليه اقتناء ملابس عازلة للبرد و الماء للحفاظ على حرارة الجسم خصوصا في الشتاء ، بالإضافة إلى أحذية مخصصة لقطع المسافات الطويلة ، و أما في الخرجات الصيفية سيقل العتاد اللازم بحكم الطقس المعتدل، و بعد استطلاعنا لبعض المحلات المتواجدة بالعاصمة لاحظنا ارتفاع أسعار عتاد التخييم ،فبالنسبة لفرد ذو دخل محدود سيستعصي عليه اقتناء معدات ذات مركات عالمية كـ “goretex” ” أو ” Nemo” خصوصا مع نقص الاستيراد و تزايد الكثير من الأسعار ، فحذاء من علامة “goretex ” يصل ثمنه إلى 40.000 دج .

و حسب مصطفى صاحب متجر لبيع أدوات التخييم بالأبيار فإنَّ المواطن في معظم الأحيان يلجئ إلى الأسواق الأسبوعية أو محلات الملابس المستعملة ، للحصول على معدَّات التخييم بأرخص الأثمان و من كان لديه أقارب في المهجر فله حظوظ أكثر في الحصول على معدات تكون مفقودة في الأسواق الجزائرية .

التخييم هوس يجري في العروق..

دوما ما يسعى هواة التخييم لاستكشاف مناطق سياحية جديدة ، و عيش مغامرات تبقى في الأذهان ، فهنالك بين الجبال و الوديان يجدون ضالتهم في الابتعاد عن ضوضاء المدن و المبيت بين أحضان الطبيعة ، و دوما ما يقودهم هذا الشغف للارتحال نحو مناطق لا يعرفها إلَّا قلَّة من الناس ، و في بعض الأحيان عليهم قطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام في مسالك يتعذر على المركبات عبورها ليصلوا إلى وجهتهم .

لكن التفاصيل التي يعيشونها أثناء التخييم تنسي كل عناء الطريق على حد تعبير الشاب عبد الوكيل حملاتي من ولاية البليدة صاحب الـ25 ربيعا و يضيف قائلا: يكفيك أن تجرب التخييم مرة واحدة فقط و سيتحول إلى هوس يجري في عروقك ، و لعل هذا ما يؤكده أيضا عبد النور مداحي صاحب الـ25سنة من ولاية الشلف ، الذي أحب الترحال منذ صغره و لم تمنعه اعاقته الجسدية من عيش مغامرات في مختلف مناطق الوطن ، فقد عاش تجارب عدة منها التخييم في شواطئ معزولة كشاطئ القيتارة بعين تيموشنت و رفع التحدي نحو بحيرة أوقلميم بأعالي تيكجدة، كما شد الرحال أيضا إلى صحراء برزينة بالبيَّض ، و يطمح هذا الشاب للقيام بجولة في كل ولايات الوطن ، فحسب عبد النور فإنَّ الإعاقة ليست مانعا لكي يعيش شغفه في الترحال نحو الجبال و الصحاري

كما أنَّ هناك البعض منهم من اقتنوا عربات “فولغزفاغن فان” قديمة الطراز عبر عنها الزمن وعملوا على إعادة تهيئتها من الداخل و توفير كل الوسائل اللازمة للتخييم لتصبح منزلا متنقلا يتيح لهم السفر و المبيت أينما حطوا، كما اختار محمد خالدي صاحب الـ 26 سنة من بني صاف أن تكون عربة “فولغزفاغن تي2″ وسيلة ترحاله التي جاب بها أزيد من 42 ولاية ، إلَّا أنَّ المشكلة في هذا النوع من المركبات حسبه تكمن في مصاريف التصليح ، فقد عمل محمد على تهيئة عربته بـ80 مليون دج و على حد تعبيره ” اصرف عليه مليح تحوس بيه مليح” و رغم التكاليف الباهظة إلَّا أنَّ عربة ” الفان ” تضمن لصاحبها متعة التخييم دون عناء .

البلد القارة…

عندما ترى صور المناظر الطبيعية التي يلتقطها أصحاب الهملة و تستمع لقصص رحلاتهم يخيل لك بأنهم زاروا أحد جزر تايلاندا أو جبال الألب و تتساءل في داخلك هل هذه المناطق حقا تقع في الجزائر ؟

فلطالما استكشف هؤلاء الشباب مناطق سياحية لم تكن معروفة لدى كثيرين في ما مضى و الأن أصبحت من أشهر المعالم السياحية ، و شاطئ قرباز بسكيكدة شاهد على ذلك فبفضلهم أصبح يستقطب السياح من مختلف ولايات الوطن ، فهو شاطئ يرسم لزواره لوحة سريالية تلتقي فيها الغابة بالبحر و في وسطها سفينة صوفيا المحطمة التي اتخذ منها الوافدون مكان يضمن لهم الفرجة خصوصا عندما يلتقي بها الغروب .

ومن الشباب مَن يفضل التخييم في المرتفعات فشغف المغامرة قاد هؤلاء إلى نصب خيامهم على ارتفاع 1745 م في جبال جرجرة ، أمام بحيرة ” أوغلميم” أعلى مسطح مائي بإفريقيا لتجربة المبيت وسط الطبيعة الجبلية و مشاركة نار المخيم مع الأصدقاء تحت ضوء القمر و النجوم في ليالي تصل درجتها تحت الصفر ، و أما التخييم في الصحراء الجزائرية له نكهة خاصة لأنه دوما ما يحمل معه مفاجئات للزائرين ، فتمضية ليالي

في صحاري سيفار و استكشاف المدينة اللغز التي حيرت كل من سمع عنها ، هي تجربة تنقلك نحو تاريخ عجز علماء الأثار عن فك شيفرة منقوشاته إلى يومنا هذا .

طغيان واد الاخرة

الطبيعة الأم ساحرة بجمالها خلابة بمناظرها فريدة بفرجتها، وإن كنت من هواة التخييم فلن تتغيب عنها لكثير من الزمن، لكن احذر فغضب الطبيعة لن يرحم أحدا خصوصا وإن حضرتَ في المكان و الزمن الخطأ، كما حدث مع عبد الوكيل حملاتي و قريبه أثناء رحلتهم إلى منطقة واد الاخرة التابعة لدائرة حمام ملوان بالبليد.

ففي مارس 2016 قرر عبد الوكيل و ابن خالته الذهاب في رحلة مدتها أربعة أيام إلى واد الاخرة أحد أروع مناطق الأطلس البليدي ، انطلقوا في اليوم الأول نحو وجهتهم في جو ربيعي مشمس مستمتعين بجمال الغابة ، و صادفوا في طريقهم رجلا اسمه العاشور تبين أنَّه ابن المنطقة و يملك مزرعة في الانحاء و لدى رؤيته لهم بعتاد التخييم استلطفهم و أكرمهم ببعض الفواكه كما تبادلوا أرقام هواتفهم و أكملوا اليوم الأول بالمبيت غير بعيد عن المزرعة ، واصلوا الرحلة في اليوم الثاني في جو مشمس أيضا و سارت الرحلة كما كان مخططا لها و في اليوم الثالث و بعد المشي لمسافة 55 كم ، وصل عبد الوكيل و ابن خالته لواد بمنطقة واد الاخرة مع غروب الشمس و قرروا نصب خيمتهم هناك أشعلوا النار و أعدُّوا العشاء كعادتهم مستمتعين برحلتهم لكن مع منتصف الليل حدث ما لم يكن في الحسبان بدأت أمطار غزيرة في الهطول ، لم يأخذوا الأمر على محمل الجد و مع الصباح الباكر و ما إن فتح عبد الوكيل الخيمة كانت المفاجئة حيث ارتفع منسوب الواد و الأمطار لا تزال تنهمر ، تملكهم بعض الخوف إلَّا أنهم اتفقوا على مواصلة الرحلة بعد توقف الأمطار و انخفاض منسوب المياه لأن الطريق الوحيد المؤدي هو عبور الواد فقد كان هنالك ورائهم جبلا شديد الانحدار و أصبحوا محاصرين بين الواد و الجبل و ما زاد الطين بلَّة عدم وجود إشارة اتصال لطلب النجدة ، و ها هو منتصف النهار و لا تزال الأمور كما هي ، حاولوا عبور الواد إلَّا أنَّ التيار كان جارفا و الخوض فيه يعني الانتحار ، و بعد عدة ساعات ارتفع منسوب المياه و جرف بعض أمتعتهم في ظل تواصل هطول الأمطار ، و بعد غروب الشمس أمضى عبد الوكيل ليلة مرعبة فكل ساعة كان يرى فيها الموت المحقق فالواد أضحى يبعد عنهم أمتار قليلة و المؤنة نفذت و الملابس تبللت و استمر الوضع هكذا حتى حوصروا كليا فلجؤوا فوق صخرة عالية ، ثم صاح ابن الخالة : “انها إشارة” كانت إشارة ضعيفة لكن أملها قوي حاولوا الاتصال بالنجدة لكن دون جدوى فلم يستطيعوا رصد موقعهم حتى و في حركة يائسة منهم اتصلوا بعاشور و أخبروه بما حدث و في غضون ساعتين فقط كان الرجل حاضرا بصحبة مجموعة من أبناء المنطقة و بعد مكالمات مطولة حدد موقعهم و تبين أنه لا حل لهم إلا تسلق الجبل لذا أمرهم بترك أمتعتهم و تسلق 400 متر لكي يتمكنوا من إلقاء حبالهم و نجدتهم و بعد جهد جهيد تمكن عبد الوكيل و ابن خالته من الوصول إلى بر الأمان بفضل عاشور و أصدقائه الذين أنقذوا عبد الوكيل و ابن خالته من موت محقق و لا تزال أحداث هذه المغامرة تراودهم إلى يومنا هذا .

شباب برتبة مؤثرين…

لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في انتشار ثقافة الترحال، فقد ظهر بعض الشباب الذين ينشرون فيديوهات توثق مغامراتهم حطمت ملايين المشاهدات على منصة يوتيوب ، و بالتالي أصبح هؤلاء الشباب مؤثرين ذو قاعدة جماهيرية كبيرة على غرار محمد جمال طالب و خبيب ، فالمحتوى الذي يقدمونه زرع الأمل للشاب الجزائري و أعطاه طاقة إيجابية جعلته يرغب في اكتشاف بلده و الخروج من دائرته المغلقة ، كما روجت للسياحة المحلية و أنجزت ما عجزت عنه الأليات التي سخَّرتها الحكومة لسنوات عديدة فهذا المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي أظهر الجزائر بوجه أخر إلى العالم فبقراءتنا لتعليقات المتابعين نلاحظ الردود الإيجابية من طرفهم ، فمن يشاهد فيديوهاتهم يرى العفوية في حديثهم إلى الكاميرا إلَّا أنَّهم كسبوا ملايين المعجبين من داخل و خارج الوطن و على حد تعبير شلابي إسلام عمر أحد صناع المحتوى من ولاية بجاية ” إنه من واجبنا كصناع محتوى أن نصنع صورة جميلة للجزائر في مواقع التواصل الاجتماعي لأنها نافذة على العالم أجمع ” فقد ساهم صناع محتوى الخرجات البرارية في دفع الشباب إلى حب التخييم و الاستكشاف و زرع ثقافة السياحة المحلية .

قاسيمي محمد رياض

أترك تعليقا

لن يتم نشر الايميل الخاص بك